أحمد بن محمد القسطلاني

229

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الأخيرة جاز للاتباع ، رواه مسلم : لا أن تشهد في غيرهما فقط ، أو معهما ، أو مع أحدهما ، لأنه خلاف المنقول بخلاف النفل المطلق ، لأنه لا حصر لركعاته وتشهداته . لكن الفصل ، ولو بواحدة ، أفضل من الوصل ، لأنه أكثر أخبارًا وعملاً ، ثم الوصل بتشهد أفضل منه بتشهدين ، فرقًا بينه وبين المغرب . وروى الدارقطني بإسناد رواته ثقات حديث : " لا توتروا بثلاث ، ولا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب " . وثلاثة موصولة أفضل من ركعة لزيادة العبادة ، بل قال القاضي أبو الطيب : إن الإيتار بركعة مكروه . اه - . واستدلّ به المالكية على تعيين الشفع قبل الوتر ، لأن المقصود من الوتر أن تكون الصلاة كلها وترًا لقوله عليه الصلاة والسلام صلّى ركعة توتر له ما قد صلّى . وأجيب : بأن سبق الشفع شرط في الكمال لا في الصحة ، لحديث أبي داود والنسائي ، وصححه ابن حبان ، عن أبي أيوب مرفوعًا : الوتر حق ، فمن شاء أوتر بخمس ، ومن شاء بثلاث ، ومن شاء بواحدة . 991 - حدثنا وَعَنْ نَافِعٍ " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ " . ( وعن نافع ) بالإسناد السابق ، كما قاله الحافظ ابن حجر ، وقال العيني : إنما هو معلق ، ولو كان مسندًا لم يفرقه ، ( أن عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ، رضي الله عنهما ( كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته ) ظاهره أنه كان يصلّي الوتر موصولاً ، فإن عرضت له حاجة فصل ثم بنى على ما مضى . وعند سعيد بن منصور بإسناد صحيح ، عن بكر بن عبد الله المزني ، قال : صلّى ابن عمر ركعتين ، ثم قال : يا غلام ارحل لنا ، ثم قام فأوتر بركعة . وهذا الحديث الأول أخرجه أبو داود ، والنسائي . 992 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ - وَهْيَ خَالَتُهُ - فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ وِسَادَةٍ - وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا ، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ، فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَوْتَرَ . ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ " . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن مسلمة ) القعنبي ( عن مالك ) الإمام ، ولأبي ذر ، والأصيلي : عن مالك بن أنس ( عن مخرمة بن سليمان ) بإسكان الخاء المعجمة وفتح غيرها ، الأسدي الوالبي ( عن كريب ) بضم الكاف وفتح الراء ، ابن أبي مسلم الهاشمي ، مولاهم المدني ، أبي رشدين ، مولى ابن عباس ( أن ابن عباس ) رضي الله عنهما ، ( أخبره أنه بات عند ) أم المؤمنين ( ميمونة - وهي خالته ) أخت أمه لبابة . وزاد شريك بن أبي نمر ، عن كريب ، عند مسلم ، قال : فرقبت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كيف يصلّي . وزاد أبو عوانة في صحيحه من هذا الوجه : بالليل ، ( فاضطجعت في عرض وسادة ) بفتح العين ، وقد تضم ، وفي رواية محمد بن الوليد عند محمد بن نصر في كتاب : قيام الليل : وسادة من أدم حشوها ليف ، ( واضطجع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأهله في طولها ) . قال ابن عبد البر : كان ، والله أعلم ، ابن عباس مضطجعًا عند رجل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أو عند رأسه . ( فنام ) عليه الصلاة والسلام ( حتى انتصف الليل أو ) صار ( قريبًا منه ) أي : من الانتصاف ( فاستيقظ ) عليه الصلاة والسلام ( يمسح النوم عن وجهه ) أي : يمسح أثر النوم عن وجهه ( ثم قرأ عشر آيات من ) سورة ( آل عمران ) أي من : { إن في خلق السماوات والأرض } [ آل عمران : 190 ] إلى آخرها . واستشكل قوله : حتى انتصف الليل أو قريبًا منه ، بجزم شريك في روايته عند مسلم ، كالبخاري في تفسير سورة آل عمران : بثلث الليل الأخير . وأجيب : بأن استيقاظه عليه الصلاة والسلام وقع مرتين ، ففي الأولى تلا الآيات ، ثم عاد لمضجعه فنام ، وفي الثانية أعاد ذلك . ( ثم قام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى شن معلقة ) أنث على تأويله بالقربة ، وزاد محمد بن الوليد : ثم استفرغ من الشن في إناء ( فتوضأ ) منها للتجديد لا للنوم لأنه تنام عينه ولا ينام قلبه ( فأحسن الوضوء ) أتمه بأن أتى بمندوباته ، ولا ينافي التخفيف ، ( ثم قام يصلّي ) . قال ابن عباس : ( فصنعت مثله ) في الوضوء ومسح النوم عن وجهه ، وقراءة الآيات ، وغير ذلك ، أو هو محمول على الأغلب ، ( فقمت ) ، بالفاء قبل القاف ، ولأبوي ذر والوقت ، والأصيلي : وقمت ( إلى جنبه ، فوضع يده اليمنى على رأسي ، وأخذ بأذني يفتلها ) بكسر المثناة الفوقية ، أي : يدلكها لينتبه ، أو لإِظهار محبته ( ثم صلّى ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ) ست مرات باثنتي عشرة ركعة ( ثم أوتر ) بركعة . يقتضي أنه صلى ثلاث عشرة ركعة ، وظاهره أنه فصل بين كل ركعتين . وصرح بذلك في رواية طلحة بن نافع ، حيث قال